الوطن
أخر الأخبار

قسد ودمشق: ما الذي يعيق الاتفاق حتى الآن؟

بعد سنوات من العداء السياسي والعسكري بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وهيئة تحرير الشام، في سياق من الانقسام الميداني والتموضع المتشابك داخل المشهد السوري، يبرز اليوم مشهد تفاوضي جديد بين “قسد” والسلطة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع. هذا الحوار، وإن كان غير مسبوق من حيث الصيغة السياسية، فإنه لا يخلو من التوجس والتعقيد، نظرًا لطبيعة الملفات المطروحة، والذاكرة المتراكمة من القطيعة والاتهامات المتبادلة.
الاتفاق المبدئي الذي أُعلن عنه في آذار 2025 أعطى انطباعًا أوليًا بإمكانية تجاوز الانقسام، لكن الوقائع اللاحقة كشفت حجم الخلافات البنيوية التي لم تُحلّ بعد. من تعريف الدولة وهوية نظام الحكم، إلى إدارة الثروات وتمثيل المكونات، تتعدّد النقاط العالقة التي تعيق الوصول إلى تسوية شاملة. فبين من يرى في اللامركزية تهديدًا لوحدة البلاد، ومن يراها مدخلًا لإنهاء عقود من التهميش، يبقى التفاوض محصورًا في دائرة الاختبار السياسي.

أستعرض بداية أبرز الخلافات في الملفات المعروضة للتفاوض.

1 – الهوية الدستورية للدولة:
– السلطة تصرّ على اسم الجمهورية العربية السورية، بينما تطالب “قسد” بتعديله إلى الجمهورية السورية لضمان شمولية الهوية الوطنية.
– “قسد” ترفض اعتماد الفقه الإسلامي كمصدر رئيسي للتشريع، وتطالب بدستور مدني تعددي.

2 – شكل الحكم والإدارة:
– السلطة تطرح نموذج اللامركزية الإدارية، بينما تطالب “قسد” بـ لا مركزية سياسية تضمن تمثيل الإدارة الذاتية في البرلمان والدستور.
– الخلاف حول ما إذا كانت الإدارة الذاتية ستُدمج كمؤسسات محلية أم تُعترف بها ككيان سياسي مستقل.

3 – دمج القوات العسكرية:
– السلطة تطالب بانضمام مقاتلي “قسد” إلى الجيش السوري كأفراد، بينما تطالب “قسد” بالانضمام ككتلة مستقلة تحت مظلة وزارة الدفاع.
– لا يزال هناك غموض حول مصير قوات “الأسايش” والأجهزة الأمنية التابعة للإدارة الذاتية.

4 – تقاسم الموارد والثرواتك:
– “قسد” تطالب بحصة عادلة من عوائد النفط والغاز في مناطق الجزيرة السورية.
– السلطة ترفض أي إدارة مستقلة للثروات، وتصر على أن تكون تحت إشراف الدولة المركزية.

5 – التمثيل السياسي والدستوري:
– قسد” تطالب بتمثيل رسمي في اللجنة الدستورية والبرلمان، واعتراف دستوري بالمكوّن الكردي.
– السلطة ترى أن التمثيل يجب أن يكون على أساس الكفاءة لا الانتماء القومي أو الإثني.

6 – ملف المعتقلين والانتهاكات:
– قسد” تطالب بإطلاق سراح المعتقلين الأكراد وأبناء الطوائف الأخرى، وتتهم السلطة بممارسات تمييزية في مناطق سيطرتها.
– السلطة تنفي وجود اعتقالات تعسفية، وتعتبر هذه المطالب “مبالغ فيها” أو “مسيسة”.

7 – الجدول الزمني للتنفيذ:
• الاتفاق ينص على تنفيذ البنود قبل نهاية عام 2025، لكن الطرفين يختلفان حول أولوية البنود، وآلية تشكيل اللجان التنفيذية.

بما أن الخلافات بين السلطة السورية الانتقالية و”قسد” تشمل قضايا جوهرية تتعلق بالهوية، توزيع السلطات، والتمثيل السياسي، فإن تجاوزها يتطلب منظورًا متعدد الطبقات يجمع بين السياسي، الدستوري، والمجتمعي.
أورد فيما يلي أبرز المبادرات التي طُرحت سابقا لحل هذه الخلافات.

1 – مركز الحوار السوري
اقترح المركز خطة تتضمن إنشاء لجنة دستورية مشتركة لإعادة صياغة الإعلان الدستوري على أساس التعددية والاعتراف بجميع المكونات السورية. أوصى بدمج تدريجي لقوات “قسد” ضمن مؤسسة الجيش السوري بإشراف دولي، مع إدارة مشتركة للموارد عبر هيئة وطنية مستقلة، إضافة إلى إقرار ميثاق للتعايش والتنوع الثقافي يحظى بإجماع شعبي قبل الاستفتاء الدستوري.

2 – السلطة السورية الانتقالية
قدّمت السلطة مبادرة تقوم على اعتماد اللامركزية الإدارية دون المساس بوحدة الدولة، مع دمج مؤسسات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة وفق الإطار القانوني والدستوري. اقترحت الاعتراف الجزئي باللغة الكردية في المناهج التعليمية، والانفتاح على تمثيل سياسي محدود للمكوّنات في المجالس المحلية، دون الاعتراف بالإدارة الذاتية ككيان سياسي مستقل.
3 – الجهات الدولية (الولايات المتحدة وفرنسا)
دعمت هذه الأطراف مسارًا توافقيا يتجنب الصيغ النهائية المسبقة، ويؤجل الملفات الخلافية إلى ما بعد الانتخابات العامة. اقترحت تشكيل لجان تنفيذية مشتركة لإدارة ملفات حيوية كالسجون، النفط، والمعابر، وربط دمج القوات بمراحل انتقالية محددة، مع إشراف دولي على التنفيذ، لضمان الحياد والشفافية.
4 – مبادرات محلية كردية من داخل “مسد”
طرحت تيارات داخلية مقترحًا يجمع بين الاعتراف الثقافي والدستوري بالمكوّن الكردي، وإبقاء مؤسسات الإدارة الذاتية بوصفها سلطات محلية لمرحلة انتقالية، على أن تُدمج لاحقًا تدريجيًا. تطالب هذه المبادرة بتعديل اسم الدولة إلى “الجمهورية السورية”، وإلغاء شرط الإسلام في منصب الرئاسة، وإقرار الفقه المدني كمصدر رئيسي للتشريع بدل الفقه الديني.

أطرح فيما يلي خطوات عملية لتجاوز الخلافات

1 – صياغة إعلان دستوري توافقي مؤقت:
• بدلًا من فرض إعلان دستوري مثير للجدل، يتم الاتفاق على إعلان مؤقت يخضع لتعديل لاحق بعد الاستفتاء العام.
• تضم صياغته لجنة مشتركة من الطرفين، بالإضافة إلى شخصيات قانونية مستقلة محلية ودولية، ويُقر بالإجماع لا بالأغلبية البسيطة.

2 – اعتراف مرن بالإدارة الذاتية ضمن الدولة:
• يُمنح الاعتراف بالإدارة الذاتية كصيغة محلية مؤقتة داخل إطار الجمهورية، دون منحها وضعًا سياسيًا مستقلًا.
• يتيح ذلك استمرار المؤسسات المحلية في تقديم الخدمات، ضمن الرقابة الإدارية للدولة.

3 – التمثيل السياسي المتوازن:
• يُفتح المجال لتمثيل رموز “قسد” و”مسد” في مجلس الشعب بصيغة “حصص توافقية مؤقتة”، تُمثّل المكونات المختلفة وليس الانتماء القومي فحسب.
• هذا التمثيل يُعد خطوة لبناء الثقة وإدماج الأطراف في صياغة الدستور النهائي.

4 – دمج القوات تدريجيًا عبر مراحل:
• يتم تشكيل وحدات مشتركة تحت قيادة موحدة سورية، على أن تُراعى الخصوصيات التنظيمية لقوات “قسد” في المرحلة الأولى.
• يشرف على هذه العملية لجنة أمنية مشتركة برعاية أمريكية لضمان الشفافية وعدم الإقصاء.

5 – استحداث هيئة مستقلة لإدارة الثروات:
• تنشأ هيئة وطنية مستقلة لإدارة النفط والغاز بإشراف مجلس الشعب، تُوزّع العائدات بين المناطق وفق معايير الكثافة السكانية والحاجة التنموية.
• هذه الهيئة تحل محل النزاع على المعابر والحقول، وتضمن التشاركية الاقتصادية.

6 – صياغة ميثاق وطني للتعددية والاعتراف:
• يُقرّ ميثاق وطني يؤكد أن سوريا دولة متعددة الهويات، ويعترف بكافة المكوّنات الثقافية واللغوية والدينية، بما فيها الكرد والسريان.
• يُدرّس هذا الميثاق في المؤسسات التعليمية كجزء من بناء ثقافة الاعتراف والتعايش.
.
.
واالله أعلم !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى