الوطن
أخر الأخبار

السلطة الانتقالية في سوريا؛ الضرورة القانونية ومخاطر التمركز السلطوي

حين أُقرّ الإعلان الدستوري المؤقت في سوريا في مارس 2025، بدا للكثيرين أنه خطوة نحو انتقال سلمي ديمقراطي، ينهي سنوات الصراع والفوضى. لكن النظرة القانونية المتأنّية تكشف واقعًا مختلفًا: وثيقة تمنح الرئيس الانتقالي صلاحيات شبه مطلقة، وتفتح بابًا واسعًا لإعادة إنتاج السلطوية، لا تفكيكها.
سلطة بلا توازن
من خلال مراجعة نص الإعلان وتحليلات قانونية صادرة عن منظمات سورية مستقلة مثل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، يتضح أن الرئيس الانتقالي يجمع بين يديه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية عمليًا، إذ يحق له:
– إصدار المراسيم والقوانين دون الحاجة لموافقة برلمانية.
– تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، والإشراف الكامل على انتخاب البقية.
– إعلان حالة الطوارئ والحرب بموافقة مجلس الأمن القومي فقط.
– تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا.
– توقيع المعاهدات الدولية دون مصادقة برلمانية ملزمة.
هذه الصلاحيات تجعل السلطة التنفيذية في موقع الهيمنة، وتُقزِّم دور السلطتين التشريعية والقضائية، مخالفة بذلك أبسط مبادئ الحكم الرشيد.
إشكاليات دستورية جوهرية:
– فصل هجين للسلطات: مجلس شعب فاقد للاستقلال، وصلاحيات رئاسية بلا ضوابط.
– انعدام الرقابة البرلمانية: لا مساءلة، ولا إمكانية سحب الثقة من الوزراء أو الرئيس.
– تغييب الشراكة الوطنية: لجنة صياغة الإعلان لم تضم تمثيلًا حقيقيًا للنساء أو المكونات المجتمعية والسياسية .
– خطر تحويل المؤقت إلى دائم: غياب آلية واضحة للتقييد الزمني أو الرقابة الخارجية يثير القلق ويؤكد عدم الثقة بالسلطة .
مبادئ البندقية: معايير دولية غائبة عن المشهد
تجاهل الإعلان الدستوري السوري لمضامين مبادئ البندقية يشكّل مؤشرًا مقلقًا. هذه المبادئ، التي أقرّتها لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا عام 1990، باتت مرجعية دولية في تقييم الدساتير والأنظمة الانتقالية. اللجنة تضم خبراء دستوريين من أكثر من 60 دولة، وتسهم بشكل مباشر في دعم الديمقراطية والعدالة الدستورية في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
من أبرز ما تؤكد عليه: الفصل المتوازن بين السلطات، استقلال القضاء من الناحية المؤسسية والوظيفية، التقييد الدستوري لصلاحيات السلطة التنفيذية، خصوصًا في الفترات الانتقالية وإشراك المجتمع المدني في رسم الخارطة الدستورية.
تجاهل هذه المبادئ يُظهر غياب إرادة حقيقية لتكريس دولة القانون. وينذر بقيام سلطة استبداد لا تحتلف إلا شكلا عن سلط العهد السابق. وينذر بمخاطر عديدة لهذه المرحلة وأهمها :
– إعادة إنتاج الاستبداد
رغم سقوط النظام المركزي، هناك مؤشرات على محاولة بعض القوى إعادة إنتاج السلطة المركزية بوجه جديد، كما حذّر محللون من أن المرحلة الانتقالية قد تُستخدم لإعادة تدوير النخب القديمة.
– التهميش الجغرافي والاجتماعي
الاشتباكات في الجنوب السوري، خصوصاً في السويداء ودرعا، تُظهر كيف أن المناطق المهمّشة تاريخياً تُترك لتواجه مصيرها دون دعم حقيقي من المركز. هذا التهميش يُغذّي الاحتقان المحلي، ويُفسح المجال أمام التدخلات الخارجية مثل الغارات الإسرائيلية التي استغلت الفراغ الأمني.
– فشل التنمية بسبب تجاهل المحلي
المشاريع التنموية التي تُدار من الأعلى غالباً ما تفشل لأنها تتجاهل المعارف المحلية. في سوريا اليوم دعوات متزايدة لتبنّي اللامركزية كحل جذري لإعادة توزيع الموارد والسلطة، خصوصاً في المناطق الريفية التي عانت من الإقصاء لعقود.
المرحلة الانتقالية في سوريا لا تحتمل مزيدًا من التجريب، كما يبدو من ممارسات السلطة المترددة وغير المؤسسة على مرجعية قانونية . فإما أن تكون جسرًا نحو دولة ديمقراطية قائمة على القانون والفصل بين السلطات، أو فرصة ضائعة قد تنتهي بإعادة إنتاج نموذج سلطوي جديد باسم الاستقرار المؤقت الذي لا يقدم حلولا للمخاطر التي تهدد بلدا دمرته الحرب الطائفية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى