المجتمعالوطنمشروع دولة

من التهميش إلى التوجس: آثار أخطاء السلطة الانتقالية السورية على النسيج الوطني

من التهميش إلى التوجس: آثار أخطاء السلطة الانتقالية السورية على النسيج الوطني

منذ بدء المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام السوري، تعرّض النسيج الوطني السوري لهزات متعددة، نتيجة أخطاء سياسية ومجتمعية وأمنية ارتكبتها السلطة الجديدة. هذه الورقة تسعى لفهم أثر تلك الأخطاء على كل من الأكثرية السنية، والأقليات الدينية والقومية، ضمن مقاربة تشخيصية واقعية، وتوصيات إصلاحية قابلة للتطبيق.

• أولًا: الأكثرية السنية ؛ بين الأمل المبدّد والخذلان التدريجي
سرعان ما تراجعت الفرحة الأولية بعودة التمثيل السياسي، نتيجة الاحتكار السلطوي وضعف التشاركية. وحل محلها خوف متجدد من الاستبداد بعد توسيع صلاحيات الرئيس الانتقالي. وفقدان تدريجي للثقة بسبب انتهاكات أمنية لم يحاسب مرتكبوها في معظم مناطق سوريا.
== التوصيات:
– إشراك قيادات مجتمعية سنية في صياغة الدستور والرقابة على أداء السلطة.
– ضمان حيادية الرئيس الانتقالي، ومنع ترشحه في الانتخابات التالية.
– إنشاء هيئة مستقلة لمتابعة قضايا الانتهاكات الأمنية بمشاركة ممثلين من المناطق المتضررة.

• ثانيًا: الأقلية العلوية؛ من شعور بالاستهداف إلى الانكفاء الطائفي
خيمت غمامة توجس حاد كثيفة من فقدان الامتيازات، والخشية من الانتقام الرمزي. وتسببت أحداث الساحل وغياب خطاب تصالحي بخوف من الإقصاء السياسي، وتآكل الثقة بسبب لغة انتقامية غير مدروسة إعلاميًا.
== التوصيات:
– إصدار بيان رسمي يؤكد على أن المرحلة الانتقالية لا تستهدف أي مكون طائفي.
– إشراك ممثلين علويين مستقلين في الحوار الوطني وصياغة الإعلان الدستوري .
– مراجعة الخطاب الإعلامي وتدريبه على مفردات جامعة غير إقصائية.

• ثالثًا: الأقلية الدرزية ؛ رهائن بين الحياد والتهميش
يعانون من إحباط واسع إثر استهدافهم في السويداء، وغياب الحماية الرسمية. فساد بينهم فقدان للثقة بعد تحييد رموزهم وفتح ملفات انتقامية سياسية. وازداد قلقهم من توسع سيطرة العشائر على مناطقهم دون رقابة مؤسساتية.
== التوصيات:
– تشكيل لجنة مشتركة بين رموز درزية والسلطة لضمان أمن المنطقة.
– إشراك ممثلين دروز في إعادة رسم الخريطة الإدارية والانتخابية.
– تضمين خصوصية السويداء في أي قانون حكم محلي أو لامركزي.

• رابعًا: الأقلية المسيحية ؛ بين غياب الضمانات وتصاعد القلق من الإسلاموية
ساد خوف من تغييب المدنيّة في الخطاب الرسمي للسلطة. وتوجس من الاعتداءات على دور العبادة، دون إدانة واضحة من الدولة. وغياب صيغة عملية تضمن الحريات الدينية.
== التوصيات:
– تضمين مبدأ مدنية الدولة وفصل الدين عن السياسة
– إعلان دستوري يؤكد على حماية دور العبادة وحرية المعتقد.
– شراك المثقفين المسيحيين في إعادة بناء الخطاب الثقافي الوطني.

• خامسًا: الأقلية الكردية ؛ من التفاهم المؤجل إلى قلق التفكيك
تضاؤل الأمل بالاتفاق المبدئي الاندماج قابله تخوف من عدم تطبيقه. تصاعد الحذر إثر أحداث السويداء ومن خطاب مركزي لا يعترف بالخصوصية الكردية، وترقّب متوجّس من تراجع الاعتراف بالحكم الذاتي المحلّي.
== التوصيات:
– تثبيت بنود اتفاق السلطة مع “قسد” ضمن وثيقة وطنية ملزمة.
– الاعتراف الرسمي بالتنوع اللغوي والثقافي الكردي.
– تشكيل لجنة مشتركة لترسيخ الحكم المحلي ضمن وحدة الأراضي السورية.

=== خاتمة:
أخطاء السلطة الانتقالية، وإن كانت ناتجة أحيانًا عن ضغوط المرحلة، لا تُبرّر استمرار التهميش أو القلق المجتمعي. المطلوب اليوم هو تصحيح المسار بشجاعة سياسية وإنصاف وطني، يعيد بناء جسور الثقة بين الدولة وكل مكوناتها، على أساس الحقوق المتساوية، والمواطنة العادلة، والمشاركة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى